الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

28

حاشية المكاسب

فالنّسبة بينه وبين الغيبة عموم من وجه بل النّسبة هو التّباين فإنّ السّب هو ما كان بقصد الإنشاء وأمّا الغيبة فجملة خبريّة نعم من حيث المواجهة عامّ ولا يعتبر في قصد الإنشاء المواجهة قوله قدس سره كقول الوالد لولده والسّيد لعبده يمكن دعوى خروج هذا كلَّه عن موضوع السّب عرفا لأنّ هذه الخطابات لا تكون غالبا عن قصد الجدّ بل تكون على ضرب من اللطيفة أو على ضرب من ادعاء العينيّة والهوهويّة فينزل السّاب المنسوب منزلة نفسه ثم يسبّه ولعلّ الافتخار به في بعض الموارد من جهة إحساس هذا المعنى قوله قدس سره لفحوى جواز الضرب يمكن منع الفحوى بدعوى أنّ السبّ بنفسه عنوان من العناوين المحرّمة ولو بقيد الإيذاء على أن يكون عنوان السّب جزء الموضوع في هذا الحكم والإيذاء جزءا آخر وإن كان عنوان الإيذاء مستقلا أيضا بالحرمة لكن تشتدّ الحرمة بانضمام عنوان السّب فليس تمام الموضوع عنوان الإيذاء حتى لو جاز الإيذاء بالضّرب جاز الإيذاء بالسّب هذا مع أنّ الإيذاء القولي أشدّ من الإيذاء بالضّرب وقد قيل جراحات السنان لها التيام ولا يلتام ما جرح اللَّسان ومع ذلك لا يبقى للفحوى سبيل قوله قدس سره فيمكن استفادة الجواز في حقّه لعل غرضه ضمّ أنت ومالك لأبيك الوارد في الولد بالفحوى الَّذي استدلّ بها في المملوك واستنتاج جواز السّب للولد من المقدمتين وفيه ما لا يخفى لعدم كون اللَّام للملكيّة ولو ملكيّة تنزيليّة ولو كانت للملكية التّنزيليّة أيضا لا عموم في التنزيل قطعا ولذا لا يجوز ترتيب آثار الملك عليه من بيعه وعتقه وغير ذلك فالأولى أن يستدلّ بفحوى ما دلّ على جواز تأديب الولد الصّغير بالضرب ثم يعمّم ما استفيد بالفحوى إلى حال الكبر بالاستصحاب قوله قدس سره والأخبار به مستفيضة ظاهر أكثر الأخبار حرمة التعلَّم فإمّا أن يكون ذلك لأجل أن لا يستعمله أو يلتزم بحرمة تعلَّمه أيضا حرمة نفسيّة قوله قدس سره لأنّ الشرك أعظم من السّحر فإذا اجتمع السّحر مع ما هو أعظم منه سقطت عقوبته وعن كونه قابلا للتّطهير باعتبار قرينة الغير القابل للتطهير ثم إنّ هذا بمنزلة كبرى البرهان والصغرى له قوله قدس سره لأنّ السّحر والشّرك مقرونان والمراد منه اقترانهما واجتماعهما في الخارج في الكافر السّاحر فكأنّما قيل السّاحر الكافر مشرك والمشرك لا يقتل فهذا لا يقتل قوله قدس سره ما لطف مأخذه ودقّ هذا تفسير بالأعمّ وإلَّا دخل في السّحر كثير ممّا هو خارج منه بالقطع ولعلّ المقصود منه ما أفاده المجلسي في بيان معناه الشّرعي بأنّه ما خفي سببه ويتخيّل على غير حقيقته ويجري مجرى التّمويه والخداع وعليه فيوافق تفسير اللغويين ويتوافق عرف الشّرع واللَّغة وفي المرويّ عن العسكري عن آبائه في تفسير قوله تعالى * ( وما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ) * قال كان بعد نوح قد كثرت السّحرة والمموّهون الحديث ولعلّ إليه يؤول كلام الإيضاح من أنه استحداث الخوارق إمّا بمجرّد التأثيرات النّفسانيّة وهو السّحر فخصّ السّحر بما كان من تأثيرات النفس ومعلوم أن الخارق الكذائي لا يكون إلَّا مجرّد التّمويه والأخذ بالعيون وإلَّا لم يكن فرق بينه وبين المعجزة وبالجملة المتحصّل من مجموع التّفاسير المنقولة من أهل اللَّغة بل والفقهاء وهو المتبادر من الاستعمالات العرفيّة أن السّحر أمر لا واقعيّة له بل مجرّد تصرّفات خياليّة ناشئة من قوّة نفسانيّة لا من الأسباب الطبيعيّة كما في شعلة الجوّالة وبهذا يفترق عن الشّعبدة كافتراقه عن سائر التصرّفات التكوينيّة الحاصلة بالأسباب الطبيعيّة السفليّة أو الفلكيّة العلويّة أو المركَّبة منهما أو باستخدام المجردات نعم ربما يظهر من الفقهاء عند تعداد أسباب السّحر وبيان مأخذه ومباديه ما ينافي ذلك فإنهم اتّسعوا في ذلك حتى إنّ المجلسي في عبارته المنقولة في المتن عدّ منه الاستعانة بخواصّ الأدوية مثل أن يجعل في الطعام بعض الأدوية المبلَّدة أو المزيلة للعقل وعدّ منه النّميمة وكأنّه أخذ ذلك من حديث الزنديق وليت شعري أيّ فرق بين هذا وبين استعمال سائر الأدوية لدفع الأوجاع والأمراض وأيّة مناسبة بين النميمة والسّحر وأمّا حديث الزّنديق فلعلّ النّميمة فيه بمعنى إلقاء التفرقة والبرودة بين المتحابين بأسباب سحريّة دون النميمة المصطلحة بنقل أحاديث من أحدهما إلى الآخر قوله قدس سره والظاهر أنّ المسحور فيما ذكراه هي الملائكة بل المسحور ذلك المصاب الَّذي عالجه بسحره فإنّ السحر سحر علاجيّ لا إضراري وأمّا استخدامه للملائكة والجنّ والشّياطين فهو مبدأ أعماله السحريّة واستكشافه الغائبات وعلاج المصاب لا أنه بنفسه هو السّحر قوله قدس سره وفسّر النيرنجات لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مراد صاحب الإيضاح لذكره تمزيج القوى قبل ذلك مستقلا ولأنّ ظاهر الضّمير المجرور في قوله ويدخل فيه أنّه عائد إلى ما ذكره قبل ذلك من العزائم وهي الاستعانة بالأرواح السّازجة والنيرنجات بتفسير الدّروس يباين الاستعانة بالأرواح السّازجة قوله قدس سره ثم لا يخفى أنّ الجمع بين ما قد عرفت أنّ ما ذكروه من المعنى للسّحر واضح لا خلاف فيه بينهم وإنّما اضطربت كلماتهم عند ذكر مأخذ السّحر وأسبابه فأدخلوا فيه أمورا كثيرة ليست من السّحر بما فسّروا له من المعنى ولعلّ غرضهم مشاركة تلك الأمور للسّحر حكما لا دخولها فيه موضوعا كما تنادي بذلك عبارة الإيضاح الَّتي تقدم نقلها في المتن قوله قدس سره مضافا إلى شهادة المحدّث المجلسي ره عبارة المجلسي الَّتي تقدّمت تشهد على خلاف ذلك وأنه في عرف الشّرع ما خفي سببه ويتخيّل على غير حقيقته ويجري مجرى التّمويه والخداع نعم ذكر بعد ذلك أقسام السّحر لكن لم يصرّح بأنّ ذلك كلَّه سحر في عرف الشّرع ولعلّ المصنّف استظهر الشهادة من ذكره للأقسام بعد تلك الشهادة وقد عرفت أنّ عبائره وعبائر غيره في مقام تفسير اللَّفظ وفي مقام بيان أقسام السّحر متهافتة بحيث لا يجتمع جميع تلك الأقسام تحت ما بيّنوا للسّحر من المعنى فلا محيص من حمل الأقسام على أنها مشاركة للسّحر في الحكم لا داخلة فيه موضوعا كما صرّح بذلك في الإيضاح قوله قدس سره إلَّا أنّ دعوى ضرورة الدين ممّا يوجب الاطمئنان من أين يوجب الاطمئنان حتى في غير مورد الإضرار مع أخذ جملة منهم الإضرار في مفهوم السّحر فالمتيقّن من مورد دعوى الضرورة أو الحاصل من نقلها الاطمئنان بالحكم هو مورد الإضرار خاصّة بل المتيقّن من الأخبار أيضا ذلك إذ لا يعلم كون ما لا يشتمل على الضرر سحرا بعد أخذ جمع للإضرار في مفهومه هذا كلَّه على مذاق المصنّف من إجمال مفهومه وأمّا على ما قدمناه من أنه مفهوم مبيّن فيحكم بحرمة ذلك المفهوم المبيّن خاصّة حتى يقوم الدّليل على إلحاق غيره به أو ينطبق عليه عنوان من العناوين المحرّمة كما ذكره صاحب النّخبة قوله قدس سره ثم الظَّاهر أن التسخيرات بأقسامها بل الظَّاهر المحصّل من مجموع الأخبار وكلمات الفقهاء واللغويين خروج التّسخيرات بأقسامها من السّحر فإن حرمت حرمت من جهة أخرى ولأجل انطباق عنوان آخر عليه وعليه فالأمر في تسخير الحيوانات أوضح فهل يمكن الالتزام بجواز تسخير الحيوانات بالقهر والغلبة والضّرب ومع ذلك لا يجوز تسخيرها بما يوجب دخولها تحت الخدمة طوعا قوله قدس سره مضافا إلى أنّه من الباطل ليس من الباطل واللَّهو إذا فرض ترتّب غرض عقلائي عليه مع أنه ليس كل باطل ولهو حراما بالقطع وقد عرفت أنّ لفظ السّحر لا يشمله قوله قدس سره فيه غش جملة ابتدائيّة بل جملة فيه غش وقعت موقع الصّفة لقوله بشيء المراد منه الدّينار والضّمير في لا يباع يعود إلى العروض والأمتعة الَّتي تباع في الخارج والمعنى ألق الدينار المكسور في البالوعة حتى لا يبيع الناس أمتعتهم بشيء فيه غش مريدا منه ذاك الدّينار وإعادة الضمير المستتر في لا يباع إلى الدّينار أوقع المصنّف في التّمحل لتعيّن أن يكون المراد من الشيء حينئذ هو العروض فلا تصلح جملة فيه غش أن تكون صفة له وأنت خبير بما فيه مع أن كلمة لا يباع لا تساعده إذ الأنسب